بقلم: زهير محمود

منذ قرونٍ طويلة ظلّت مشكلة الشر سؤالًا مفتوحًا أمام العقل الإنساني: هل هو مجرد غياب للخير كما شبّهَه أوغسطين وتوما الأكويني بالظلام الذي يزول بسطوع النور؟ أم أنّه قوة أصيلة فاعلة في النفس والوجود؟

أقرب إلى الصواب أن نقول: الله خلق للإنسان الخير والشر معًا، ومنحه العقل والإرادة ليختار بينهما. ولولا هذه الثنائية لما تحققت حكمة الابتلاء ولا معنى المسؤولية. فلو لم يوجد إلا الخير، لكان الاختيار محصورًا في كميّة الخير فقط: تفعل خيرًا كثيرًا أو قليلًا. عالمٌ جميل ربما، لكنه عالم آلي بلا صراع، بلا قصة، بلا مجال للنصر أو الخسارة.

الشر كفعل لا كغياب

الشر ليس دائمًا سلبًا أو نقصًا. في كثير من الأحيان هو عمل إيجابي يتطلب إرادة وطاقة وتخطيطًا.

لنأخذ مثالًا واضحًا: القتل بالسم المخلوط في العسل.

• يبدأ بـ شر قلبي: الحقد والغيرة والرغبة في الإيذاء.

• يمرّ بـ شر عقلي: التفكير، التربص، وضع الخطة.

• ينتهي بـ شر عملي: شراء السم، تحضير المصيدة، التنفيذ.

كل مرحلة من هذه المراحل استهلكت إرادة وموارد ووقتًا، وسارت بخطوات واعية نحو غاية شريرة. فهل يمكن أن نصف هذا بأنه مجرد “غياب للخير”؟ قطعًا لا. إنه فعل إرادي كامل الأركان.

ومع ذلك، يظلّ هذا الفعل في جوهره انحرافًا عن مسار الفطرة السليمة التي خُلقت للتعاون والرحمة، أي أنّه فعل موجب لكنه مائل عن الغاية الأصلية.

حكمة وجود الشر

بهذا المعنى يصبح الشر شرطًا لكرامة الإنسان المكرَّم بالإرادة:

1. يمنح الحياة معنى: تتحول الحياة إلى سردية درامية، فيها صراع داخلي وخارجي، بين ما يدعو إليه العقل وما تهواه النفس.

2. يعطي للخير قيمته: الخير ليس خيارًا آليًا، بل انتصار على خصمٍ داخلي وخارجي. لذلك يُعظم أجره.

3. يحقق العدالة المطلقة: الجزاء لا يستقيم إلا إذا كان الشر ممكنًا فعلًا. العقاب على “غياب الخير” لا معنى له، أما العقاب على فعل شرير متعمد فهو عين العدل.

ولهذا يقول تعالى:

{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7-8].

فالخير والشر هنا “أعمال” ترى وتوزن، وليسا مجرد حالات نقص أو حياد.

الخاتمة

إذن: الشر ليس ثغرة في نظام الخلق، بل هو الميدان الذي تُختبر فيه الإرادة وتُبنى فيه البطولة الأخلاقية.

فالإنسان لا يكتمل بغياب الشر عنه، بل بقدرته على قهره. ولولا الشر، لما كان للخير معنى، ولا للإنسان قصة، ولا للابتلاء حكمة.

زهير محمود

View all posts

Add comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Get in touch

Collaboratively harness market-driven processes whereas resource-leveling internal or "organic" sources. Competently formulate.