بقلم زهير محمود
قراءة عقلية في معنى “الدين الحق”
مقدمة:
سألني أحدهم يومًا:
أيّ الأديان هو الدين الحق؟
فكان جوابي، بتجرّدٍ تام من الأسماء والمسميات، أن:
أيّ دين من الأديان، إذا كان قائمًا على الاستدلال العقلي الصادق، ومُكمَّلًا بالإيمان القلبي الواعي، فهو دين متكامل.
وكل دين متكامل، هو “دين حق” في نظر معتنقيه ومريديه.
ذلك لأن أي دين لا يملك القدرة على مخاطبة العقل،
ولا يحتمل السؤال،
ولا يصمد أمام التفكير النقدي،
يسقط حتمًا أمام عظمة العقل نفسه.
القرآن منطلق العقل قبل التسليم
وانطلاقًا من موقعي كمسلم، أستشهد بمرجعي الأول: القرآن الكريم،
الذي لم يدعُ الإنسان إلى الإيمان الأعمى،
بل جعله ثمرة طبيعية لمسار طويل من التفكير، والتأمل، والإدراك.
فالخطاب الإلهي الأول إلى النبي محمد ﷺ لم يكن أمرًا بالطاعة أو الاتباع،
بل كان أمرًا بالقراءة والمعرفة:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ
خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾
كانت هذه الآيات فاتحة الاستدلال العقلي الكبرى:
كيف يتحوّل كيان ضئيل، علقة تكاد لا تُرى،
إلى إنسان كامل البنية، مهيأ للإدراك والوعي والاختيار؟
إنه سؤال وجودي، لا خطاب وعظي،
وسؤال كهذا هو بذرة الإيمان لا نتيجته.
من الإنسان إلى النظام الكوني
ولم يكتفِ القرآن بالاستدلال من داخل الإنسان،
بل طالبه بتوسيع أفق النظر نحو النظام الكوني الذي وُجد فيه وسُخِّر له:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ… لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾
ويقول تعالى:
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾
اللافت هنا أن الخطاب موجّه إلى قوم يعقلون،
لا إلى قوم يسلّمون دون تفكير.
كأن العقل هو البوابة الأولى،
والإيمان نتيجة طبيعية لعبورها.
الأمثال… لا يدركها الجميع
ويؤكد القرآن هذا المعنى بقوله:
﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ۖ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾
فليس كل من يسمع يفهم،
ولا كل من يردّد يدرك،
لأن الإدراك يحتاج إلى عقلٍ حاضر،
لا إلى ذاكرةٍ تحفظ فقط.
من إثبات الخالق… إلى إثبات وحدانيته
ثم ينتقل القرآن من إثبات وجود الخالق،
إلى الاستدلال العقلي على وحدانيته وتفرّده،
ويبطل فكرة تعدد الآلهة بعلة عقلية واضحة:
اختلاف الإرادة والغاية يؤدّي حتمًا إلى الفساد.
قال تعالى:
﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾
ويقول أيضًا:
﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً ۖ قُلِ اللَّهُ… قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ﴾
وهنا يبرز سؤال جوهري:
هل الشهادة مجرد قول يُردَّد،
أم نتيجة حتمية للاستدلال العقلي والتفكير المنطقي السليم؟
الخاتمة: الإيمان ثمرة التفكير
يجيب القرآن عن هذا السؤال دون مواربة:
﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ
وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا﴾
فالتفكّر يسبق الإيمان،
والعقل يفتح الطريق للقلب،
والخشوع لا يولد من الخوف،
بل من الفهم.
هكذا يصبح الإيمان
ليس نقيضًا للعقل،
بل قمّة نضجه.

Add comment