بقلم زهير محمود

المقدمة: نحن والماء… قصة واحدة

حين نبحث عن أصل الحياة، لا نبدأ من التراب، بل من الماء.

فالماء ليس مجرد عنصر كيميائي يملأ الفراغات، بل هو الوعاء الأول للوجود، واللغة الصامتة التي كتبت بها الحياة سطورها الأولى. ولسنا – نحن البشر – استثناءً من هذه القاعدة؛ إذ يتكوّن جسد الإنسان في معظمه من الماء، بنسبة تقارب السبعين في المئة. نحن، في جوهرنا، كائنات مائية تمشي على اليابسة.

ومن هنا يبرز السؤال المركزي الذي لا يطرحه العلم التجريبي عادة، لكنه يفرض نفسه على العقل المتأمل:

إذا كان القمر، بكتلته البعيدة، قادراً على تحريك المحيطات الشاسعة ورفعها وخفضها بانتظام مذهل، فكيف نتصور أن هذه القوة نفسها تتوقف فجأة عند حدود جلد الإنسان؟

هل أجسادنا معزولة حقًا عن نظام الجاذبية الكوني؟

أم أننا نعيش داخل المدّ… فلا ننتبه إلى حركته؟

أولاً: فيزياء الجسد… المحيط الداخلي

من الخطأ الشائع أن نتصور الجسد ككتلة صلبة، مستقرة، ساكنة.

الحقيقة أن الإنسان أقرب إلى نهر متحرك منه إلى صخرة ثابتة.

فالدم في عروقه لا يتوقف،

والجهاز اللمفاوي يعمل بصمت،

والسائل النخاعي يحيط بالدماغ والحبل الشوكي في توازن بالغ الدقة،

وحتى داخل الخلية، الماء ليس ساكنًا، بل في حركة دائمة تحفظ الحياة.

من منظور فيزيائي بحت، الجاذبية لا تعرف الاستثناءات.

هي لا تُفرّق بين محيط شاسع وقطرة دم في وريد، ولا بين موجة بطول كيلومتر وجزيء ماء داخل خلية عصبية.

القانون واحد، والتأثير خاضع للمقياس والظروف، لا للنوع أو القيمة.

لكن لماذا لا نشعر بهذا “المدّ” داخلنا؟

لأننا جزء منه.

كما لا نشعر بدوران الأرض رغم سرعتها الهائلة، لأننا ندور معها، لا خارجها.

الإحساس لا ينشأ من الحركة المنتظمة، بل من الاختلال المفاجئ.

وحين تكون الحركة هي الحالة الطبيعية، تصبح “غير مرئية” للوعي اليومي.

ثانياً: الإيقاع الحيوي – المدّ البيولوجي

الحياة ليست فوضى، بل إيقاع.

والجسد الإنساني ليس آلة ميكانيكية، بل منظومة زمنية دقيقة.

نحن نعيش على إيقاع الليل والنهار،

تتغير هرموناتنا مع الضوء والظلام،

يتبدل مزاجنا، تركيزنا، ونشاطنا مع تعاقب الفصول،

بل إن كثيرًا من الدراسات ربطت بين أطوار القمر وأنماط النوم، والانفعالات، وحتى بعض الحالات النفسية.

وهنا يجب التمييز بدقة:

التأثر ليس ضعفًا.

بل على العكس، التأثر هو دليل الحياة.

الجسد الذي لا يتأثر بشيء هو جسد ميت أو منفصل عن واقعه.

أما الجسد الحي، فهو جسد يستقبل، يتكيف، ويعيد الضبط باستمرار.

الإنسان ليس خارج المنظومة الكونية،

بل هو نبضة داخلها.

وإيقاعه الحيوي ليس خضوعًا أعمى للطبيعة، بل تفاعل ذكي معها.

ثالثاً: العقل والوعي… ركوب الموجة لا الغرق فيها

هنا يقع الخطأ الأكبر عند كثيرين:

الخلط بين “التأثر” و”سلب الإرادة”.

أن تكون متأثرًا بإيقاعات الكون لا يعني أنك مسلوب القرار،

كما أن البحّار ليس عبدًا للبحر لأنه يراعي المدّ والجزر.

البحّار الجاهل يقاوم الموج فيغرق،

أما البحّار الحكيم فيقرأ الإيقاع، ويُبحر في التوقيت الصحيح.

كذلك الإنسان الواعي:

لا ينكر تقلباته الداخلية،

ولا يقدّسها،

بل يفهمها.

يعرف متى يكون في ذروة صفائه فيُقدم،

ومتى يكون في حالة جزر فيتروّى،

ويميز بين الاستجابة الواعية للإيقاع،

والخضوع الأعمى للانفعال.

العقل هنا لا يُلغى، بل يتعالى.

والإرادة لا تُسلب، بل تُحسن التوقيت.

رابعاً: آيات الله في النسيج الواحد

حين ننظر إلى هذا الانسجام العجيب، لا يمكن فصله عن السؤال الإيماني الأكبر.

﴿مَا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ﴾

القانون الذي يحكم دوران كوكب بعيد في أطراف المجرة

هو نفسه الذي يضبط توازن الأملاح داخل خلية في جسدك.

القوة التي تمسك نبتون في مداره

هي ذاتها التي تحفظ السوائل في جسدك دون أن تطغى أو تختل.

هذا التناسق ليس مصادفة،

ولا عبثًا،

ولا لعبة كونية بلا معنى.

إنه وحدة في المصدر،

وتعدد في الصور،

وتجلٍّ واحد لحكمة لا تتجزأ.

الخاتمة: حين تصبح المعرفة طمأنينة

حين يفهم الإنسان موقعه الحقيقي في هذا الكون،

تتحول المعرفة من قلق إلى سكينة.

لسنا ذرات تائهة في فراغ عبثي،

ولا آلات منفصلة عن السماء،

بل نحن أوتار مشدودة في قيثارة كونية كبرى.

ماؤنا الداخلي يتذبذب،

إيقاعنا يتناغم،

ووجودنا كلّه مشاركة في تسبيح صامت لا ينقطع.

وحين نتصالح مع مدّنا وجزرنا،

نكتشف أن الطمأنينة ليست في مقاومة الكون،

بل في فهم نغمته…

والعزف معها بوعي.

زهير محمود

View all posts

Add comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Get in touch

Collaboratively harness market-driven processes whereas resource-leveling internal or "organic" sources. Competently formulate.