بقلم: زهير محمود

مقدمة:

في كل يوم نطالع على وسائل التواصل الاجتماعي من يبحث عن الشهرة ولو على حساب الفتنة، فقد فتحت هذه الوسائل الباب على مصراعيه أمام الجميع ليُدلوا بدلوهم في كل شأن. وهكذا أصبح هذا السوق الافتراضي أهم من الأسواق الواقعية، بل وأكثر شهرة من “سوق عكاظ” في الجاهلية.

ولأن الشهرة اليوم تقاس بعدد المتابعين، لجأ كثيرون إلى التفرد والغرابة في المحتوى الذي يقدمونه، ولو كان ذلك على حساب المضمون والحكمة. تمامًا كما هو الحال في الأسواق الشعبية: فيها الصادق والمخادع، وفيها من يزن بالعدل ومن يسرق بالكلمة، وفيها المحتاج الحقيقي والدجال المتستر بثوب الناصح.

وهكذا تبقى سنة الكون قائمة: كل مكان يزدحم بالبشر يجذب بطبيعته كل فئات المجتمع.

وليس في ذلك عيب في حد ذاته، فالتنوع سُنّة، ولكن الخطر الحقيقي يكمن في الأثر الذي يتركه هذا التنوع. فالقول قد يزول، ولكن أثره في الوعي يبقى، وهنا تبدأ الكارثة حين تختفي الحكمة وتظهر الفتنة بين الكلمات.

حين تتحول الغيرة على الدين إلى فتنة:

أخطر ما نراه اليوم هو من يتصدى للحديث في تاريخ الفِرَق والصراعات القديمة، محددًا من كان على حق ومن كان على باطل، وكأنه شاهد عيان على أحداث مضى عليها أكثر من ألف عام.

قد تكون نيتهم حسنة، وقد يظنون أنهم يغارون على هذا الدين، لكنهم – من حيث لا يشعرون – يحيون نار الفتنة ويزيدون الشقاق بين المسلمين.

ولو أنهم صرفوا طاقاتهم تلك في تدبر القرآن الكريم، لكان خيرًا لهم ولنا جميعًا، فالله سبحانه وتعالى يقول على لسان نبيه في سورة الفرقان:

وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (الفرقان: 30)

أليس الأجدر بالغيورين على الدين أن يعودوا إلى هذا الكتاب المهجور، بدل أن يفتشوا في دفاتر التاريخ القديمة التي لا تخلُ إلا من اختلافٍ لا يُنتج إلا الفتنة؟

دعوة إلى التدبر لا إلى التأويل المثير للفرقة:

لقد أمرنا الله تعالى صراحةً بالتدبر، فقال في سورة محمد:

أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا

وفي سورة النساء قال:

أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا

إن القرآن هو الثابت الوحيد الذي لا يختلف عليه اثنان، أما التاريخ فاختلافه كثير، وتأويله أكثر، وطرحه في وسائل الإعلام لا يجلب إلا الفتن والتعصب.

ويقول الله تعالى في سورة آل عمران محذرًا من أولئك الذين يبتغون الفتنة:

فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ

فمن يزعم أنه وحده يعلم التأويل أو أنه يملك مفاتيح الحق التاريخي المطلق، فقد نازع الله في علمه، وهو لا يدري.

الخاتمة:

الحق لا يُعرف بالصوت الأعلى ولا بعدد المتابعين، بل بصفاء القلب وبالنية الصادقة.

يقول الله تعالى في سورة التوبة:

لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّىٰ جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ

إننا اليوم بأمسّ الحاجة إلى وحدة الصف، لا إلى تفريقه.

إلى إحياء التدبر لا إلى نبش الصراعات.

إلى صوت الحكمة لا إلى صدى الشهرة.

فمن أراد أن يخدم دين الله، فليبدأ من الآيات الواضحات، لا من الامور الملتبسة.

ومن أراد أن يرفع راية الحق، فليحملها بيد العقل والرحمة، لا بلسان الفتنة.

زهير محمود

View all posts

Add comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Get in touch

Collaboratively harness market-driven processes whereas resource-leveling internal or "organic" sources. Competently formulate.