دراسة في تدبر أيات القرآن الكريم بقلم زهير محمود

لقد أمرنا الله تعالى في آيات كثيرة بتدبر القرآن الكريم، منها قوله تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} (ص: 29).

فيما يلي تدبر من وجهة نظر شخصية قد تصيب وقد تخطئ والله أعلم في مفهوم الايمان في القرآن ودرجاته والله ولي التوفيق.

مقدمة:

الإيمان في القرآن الكريم ليس حالة واحدة جامدة، بل هو مفهوم متعدد الطبقات يتدرج من التصديق القلبي، إلى الممارسة العملية، ثم إلى بلوغ مرتبة التقوى. وعند التأمل في الآيات، نجد تمييزاً واضحاً بين المؤمنين والمصلين والمتقين.

أولاً: الإيمان كحالة قلبية وروحية

يصف القرآن المؤمنين أولاً بأنهم أصحاب قلوب خاشعة متوكلة، قبل أن يتحدث عن أعمالهم:

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].

فالإيمان في جوهره تجربة داخلية من الوجل واليقين، وليس مجرد ممارسة ظاهرية.

ثانياً: المؤمنون ليسوا بالضرورة مقيمي الصلاة

ورد في قوله تعالى:

﴿لَٰكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ… وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: 162].

الآية ميزت بين المؤمنين والمصلين، مما يوحي بأن الإيمان قد يوجد في القلب حتى من دون اقترانه بالصلاة.

ثالثاً: وجود مؤمنين من أهل الكتاب

قال تعالى:

﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: 110].

هذا يعني أنّ الإيمان بالله ليس حكراً على المسلمين، بل يمكن أن يشمل بعض أهل الكتاب الذين صدقوا في إيمانهم.

رابعاً: اكتمال الإيمان بالشعائر

حين يقترن الإيمان القلبي بإقامة الصلاة والإنفاق يصبح إيماناً كاملاً:

﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ۝ أُو۟لَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: 3-4].

فالعمل هنا يجعل الإنسان “مؤمناً حقاً”.

خامساً: مراتب الفلاح والوراثة

هناك مرتبة أرقى بعد الإيمان الحق، وهي الفلاح ثم وراثة الجنة:

﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ۝ أُو۟لَٰئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ ۝ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ [المؤمنون: 9-11].

سادساً: الإيمان مفهوم عالمي سابق للإسلام

الإيمان بالله ورسله وكتبه مذكور باعتباره عقيدة عامة مشتركة:

﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: 285].

ومن هنا فالإيمان ليس حكراً على الشريعة الإسلامية، لكن الإسلام جاء ليفصل درجاته ويحدد التكاليف العملية.

سابعاً: الصلاة عبادة ممتدة عبر الشرائع

الصلاة عبادة قديمة، مارسها إبراهيم وموسى وعيسى:

﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ﴾ [إبراهيم: 40].

﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: 83].

﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: 31].

وهذا يؤكد أنّ إقامة الصلاة ليست خصوصية إسلامية بل استمرار لخط توحيدي قديم.

ثامناً: بلوغ مرتبة المتقين

من يجمع بين الإيمان والعمل الصالح والشعائر والخلق يصل إلى أعلى مرتبة:

﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ… وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ… وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ… أُو۟لَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: 177].

تاسعاً: التحذير من الصلاة الشكلية

ليست كل صلاة دليلاً على الإيمان:

﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ… إِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء: 142].

﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا﴾ [المائدة: 58].

فالصلاة بلا خشوع أو بلا إيمان صادق لا ترفع صاحبها.

الخلاصة

الإيمان في القرآن درجات:

1. الإيمان القلبي: تصديق داخلي يورث الوجل والتوكل.

2. الإيمان الحق: حين يقترن بالشعائر كالصلوات والإنفاق.

3. الفلاح والوراثة: للمحافظين على الصلاة بصدق.

4. التقوى: وهي أعلى المراتب، تشمل الإيمان والعمل والخلق.

وبذلك يمكن القول إن الإيمان بالله أوسع من أي شريعة بعينها، لكن الإسلام جاء ليوضح درجاته ويجعل من الصلاة والزكاة والصبر والعدل وسائل لبلوغه في أرقى مستوياته.

زهير محمود

View all posts

Add comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Get in touch

Collaboratively harness market-driven processes whereas resource-leveling internal or "organic" sources. Competently formulate.